صديق الحسيني القنوجي البخاري
48
فتح البيان في مقاصد القرآن
يقتضيه لم يقطع النظر عن ذلك الضمير الواقع على تلك الصورة لتوسطه بين هذا الفعل ؛ أعني اهدنا وبين من أسند إليه ، ثم في ضمير الجماعة معنى يشير إلى استحقاقه سبحانه إخلاص التوحيد على الوجه الذي قدمناه في الفعلين السابقين . ثم في كون هذه الهداية هي هداية الصراط المستقيم التي هي الهداية بالحقيقة ، ولا اعتبار بهداية إلى صراط لا استقامة فيه معنى ثالث يشير إلى ذلك المدلول . الثامن والعشرون : قوله : صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ فإن من يهدى إلى هذا الصراط الذي هو صراط من أنعم اللّه عليهم يستحق أن لا يشتغل بغيره ولا ينظر إلى سواه ، لأن الإيصال إلى طرائق النعم هو المقصود من المشي والمراد بحركات السائرين ، وذلك كناية عن الوصول إلى النعم نفسها إذ لا اعتبار بالوصول إلى طرائقها من دون وصول إليها ، فكان وقوع الهداية على الصراط المستقيم نعمة بمجردها ، لأن الاستقامة إذا تصورت عند تصور الاعوجاج كان فيها راحة بهذا الاعتبار ، فكيف إذا كان ذلك كناية عن طريق الحق ، فكيف إذا كان حقا موصلا إلى الفوز بنعم اللّه سبحانه . التاسع والعشرون : قوله : غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ووجه ذلك أن الوصول إلى النعم قد يكون منغصا مكدرا بشي من غضب المنعم سبحانه ، فإذا صفا ذلك عن هذا الكدر وانضم إلى الظفر بالنعم الظفر بما هو أحسن منها موقعا عند العارفين ، وأعظم قدرا في صدور المتقين ، وهو رضا رب العالمين ، كان في ذلك من البهجة والسرور ما لا يمكن التعبير عنه ، ولا الوقوف على حقيقته ولا تصور معناه . وإذا كان المولى لهذه النعمة والمتفضل بها هو اللّه تعالى ولا يقدر على ذلك غيره ولا يتمكن منه سواه ، فهو المستحق لإخلاص توحيده وإفراده بالعبادة . الموفى ثلاثين : قوله : وَلَا الضَّالِّينَ ووجهه أن الوصول إلى النعم مع الرضا قد يكون مشوبا بشيء من الغواية ، مكدرا بنوع من أنواع المخالفة وعدم الهداية ، وهذا باعتبار أصل الوصول إلى نعمة من النعم مع رضا المنعم بها فإنه لا يستلزم سلب كون المنعم عليه على ضلالة لا باعتبار هذه النعمة الخاصة من هذا المنعم عز وجل . ولما كان الأمر في الأصل هكذا كان في وصول النعم إلى النعم عليه من المنعم بها مع كونه راضيا عليه غير غاضب عنه ، إذا كان ذلك الوصول مصحوبا بكون صاحبه على ضلالة في نفسه قصور عن وصولها إلى من كان جامعا بين كونه واصلا إلى المنعم فائزا برضا المنعم عليه خالصا من كدر كونه في نفسه على ضلالة ، وتقرير الدلالة من هذا الوجه على إخلاص التوحيد كتقريرها في الوجه الذي قبله . فهذه ثلاثون دليلا مستفادة من سورة الفاتحة باعتبار ما يستفاد من تراكيبها العربية مع ملاحظة ما يفيده ما اشتملت عليه من تلك الدقائق والأسرار التي هي راجعة إلى العلوم